منتدى Rehabilitation Team

مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه.
إدارة المنتدى: عامر صدقة
منتدى Rehabilitation Team

    قصة دلال

    شاطر
    avatar
    QUSAY ANGEL MARE
    عضو فضي
    عضو فضي

    ذكر عدد الرسائل : 200
    العمر : 30
    تاريخ التسجيل : 10/07/2008

    قصة دلال

    مُساهمة من طرف QUSAY ANGEL MARE في الأحد أغسطس 03, 2008 11:19 am

    كانت طفلة صغيرة، قمحية البشرة، جميلة المظهر، ترسم البسمة على شفاها، تقطن في مخيم مثكل بالجراح، تمرح وتلعب في ازقة المخيم، ترسم طيارتها الورقية على جدران الزمن، تطوحها اشكالا والوانا، لم تكن تعي ما يدور من حولها، كانت تسمع دائما التهجير والخروج من الوطن قسريا، لم تكن تعرف ما هو الوطن، ترى دمعة ابيها لكنها لم تدرك ما خلفها، كانت صغيرة بريئة جميلة.

    تكبر دلال، ويصبح عمرها احدى عشر عاما، فدخلت على والدها يوما، يا ابي من صغري وانا اسمع التهجير والاجئين وعرفت بعض الشيئ عن ذلك، لكنها الصورة لم تتضح لي، الا تخبرني عن ذلك، اجاب الاب بتنهيدة شاهقة، اه يا ابنتي ان الجرح عميق، والالم كبيرة، لقد هجرنا من فلسطين قسرا وعنوة، نحن يا ابنتي من عكا، من فلسطين الجريحة، وها نحن اتينا هنا في ضيافة شقيق عربي، في اثناء حديث الاب لها رات دلال عيني ابيها قد غرغرت وحمرت، ما ان انهى الاب حديثة، نظرت في وجه ابيها والدموع تنهمر من عينيه في حالت صمت، وذهول..فعاندت لحظة الرحيل من امام ابيها، ثم بكت فصمتت، ولكنها اختارت اخيرا ان تفتح الباب وترحل.

    ترعرت دلال في اكناف المخيم، تحت وطئة الغارات الاسرائيلية والعمليات الفدائية، فقررت الالتحاق بصفوف المقاومة، فتبلور لديها الوعي الفطري، وجموح المنضوين تحت عباءة اللجوء، كان هناك حلم يكبر ولا يهرم، شوق على بعد مرمى خطوات، يفيض ولا ينضب، يتوجع ولا يهزم، انه حلم العودة بالجسد او بالطيف، لوطن يسكن فيها، ويترعرع في شبكات عينيها، لتك الام، فهي بوصلة القلب حيثما وليت وجهها، فهي كعبة دلال، وقبلتها الاولى بالعشق الكتنز والمختزن عبر الزمن.

    كان حبها الفطري دائما ما يدفعها في الطلب من اشراكها في عمليات فدائية داخل الاراضي المحتلة، فكانت تحيك الحيلة بالعقل والعاطفة للقيام بعملية فدائية، وعندما ابلغت بتجهيز نفسها لعملية كبيرة داخل الاراضي المحتلة، بكت فرحا بالحلم الذي اصبح على بعد ايام قليلة، ترددت وتحيرت ثم فكرت، بل فكرت كثيرا، وقررت وتاهت ما بين الاقدام والاحجام، ما بين دمعة ما كان وفرحة المكان، فكانت كمن انتظر الحبيب دهرا بامل المنال وفجاة حان اللقاء. بدات التدريبات لتك العملية، واعدت كل التجهيزات، ولم يبقى الا ساعة الصفر، كانت تنتظر تلك الحظة، تسابق الزمن، تنتظر من يطرق الباب، ليخبرها نباء بداء العملية، تناظر الى صورتها المعلقة على جدران غرفتها فتقول انا لست الا عابر سبيل هنا، تستلقي على سريرها، تذهب في غفوة.

    في صباح 10 مارس (اذار) 1978 كانت تسبح في نوم عميق، فاذا بطارق على الباب، استنهضت...وقفزت، وتسارعت نبضات قلبها، فقالت من الطارق، على الجانب الاخر، اجاب انا احمد، ان العميد صيدم يريدك ان تحضري معي فورا، فقالت انتظرني حتى البس ثيابي، سالتها والدتها الى اين ذاهبة الان، قالت يا امي اني ذاهبة الى مراكز استقبال الجرحى ، فكانت دلال تعمل في التمريض وتساعد في اسعاف الجرحى والمصابين، فذهبت برفقة احمد، كان في الجانب الاخر ينتظرها العميد صيدم، وابو جهاد المخطط والمدبر لتلك العملية، في اثناء طرقهما سالت دلال، يا احمد ماذا يريد العميد صيدم، هل ابو جهاد هناك، هل اتت ساعة الصفر، هل الغيت العملية، احمد بقي صامت...ثم قال لها يا دلال والله لقد صدعت راسي من كثر اسئلتك واسفساراتك، انتظري حتى نصل وسوف تعرفين كل شيء. وصلا الى المكان وكان في انتظارها ابو جهاد وجميع رفاق دلال، فادت التحية على جميع الحاضرين، وسلمت بحرارة على ابو جهاد، فقال ابو جهاد اجلسي، اسمعوا يا رفاق، غدا موعد تنفيذ العملية، سوف تكون انت يا دلال قائدة العملية، وسيرافقك 12 من رفاقك، كانت كل تفاصيل العملية قد اعدت، وكان الهدف الدخول الى الاراضي المحتلة عن طرق البحر وخطف مجموعة من الصهاينة وذك للمبادلة باسرى فلسطينيين وعرب.

    ليلا الساعة الواحد صباحا انطلق الزورقات التي تقل دلال ورفاقها من السواحل البنانية، متجهة الى السواحل الاراضي المحتلة الفلسطينية، كان الظلام دامسا، الغيوم كثيفة، زخات من المطر الخفيف، سكون في المكان، لا صوت لا صوت همسات البحر، تنظر في السماء علها ترى القمر مؤنسا لها في عرض البحر، او نجما رائقا مثل لمسة المساء، تداعب باناملها المياه المرافة معها، وتقول ناسف يا بحر على ازعاجك، لا تخف فاننا نعشق الحب، ونبحث عنه، كما عشق الفراشة لزهرة الورد. بعد ساعات بان لها اضواء خافتة، فرتسمت على شفاها البسمة، وملئت المكان فرحة، فقالت هذه عكا، بلدي كما قال لي ابي، ابي ولد هنا، وهناك يافا عروس البحر، ايها الرفاق لقد شارفنا على الوصل، لا نريد ان نستمر بالزواق، فل نسبح في المياه، كي لا يشعر بنا احد، لقد اقتربنا من منطة الرادار، استعدوا للنزول وتفرقوا لثلاث مجموعات، مجموعة تذهب لفض الاسلاك الشائكة، والثانية حماية ومراقبة، والثالثة اسناد لنا، فسارت اول مجموعة برفقة دلال متجهة الى الاسلاك الشائكة، عندما اقتربت من السياج قبلت الارض، ارتجفت جغونها وخدودها، احست ان قدميها مؤهلتان لخيانة جسدها النحيف اصلا، والقابل للسقوط خلف ظلام الليل، بدت بنظرها لداخل الاسلاك شعرت بوخز تلك الاسلاك المحيطة بالارض وكانها تلتف على خاصرتها، تسللت بنظرها لاقصى نقاط المكان دون ان يمنعها حتى الظلام من السباحة بسرحة في زوايا المكان.

    ما كان وما سيكون قد يذهب بها ابعد من مكان الرمان او زمان المكان، هي لم تعد تقف على الارض بمقدار الفضاء المتسع دوما لها، وفجاه سقط المطر وانشطر القلب ورجفت كتفاها من برد الموقف.

    اخترقت حاجز الاسلاك، واعطت الاشارة لرفاقها بالتقدم، فتوجهوا الى فندق يقع على شاطئ حيفا، وتم خطف مجموعة من الرهائن، ثم استقلوا باصا، وساروا يجوبون طرق حيفا، واعلن هي ورفاقها اعلان دولة فلسطين على تراب الوطن لمدة ساعات، وهو اول اعلان عن قيام دولة فلسطينية من داخل الاراضي المحتلة، فدارت معركة مع قوات الاحتلال فاستشهدت هي و10 من رفاقها وتم اسر اثنين من المجموعة، خرجت دلال المغربي من التراب الذي ترعرت فيه، لتستشد في التراب الذي احبته وناضلت وضحت من اجله.

    30 عاما يا حبيبتي وانت ترطبي ارض فلسطين، تحت الثرى بدمائك الزكية البهية، هم اعتقدوا انهم ياسروك لكنك انت من كنت تاسريهم، وتزرعي الاغصان في محبة قلبي وقلوب اخواني العرب.

    30 عاما يا دلال المغربي وانت تعشقين بصمت وتقبلين جهارا وتحضنين تراب غالي على قلبك وقلوبنا اجمعين.

    30 عاما يا من عشقتك في صحوتي وفي حلمي وطيفي، يا حبيبتي ما فارقتي قلبي لحظة. سلام عليك يا دلال، يا دليل مهجتي، سيوارى جثمانك في التراب الذي ترعرعت فيه بعدما تعثر دفنك في التراب الذي احببتيه وناضلت وضحيت من اجله، سلام عليك يا سيدتي وتاج راسي، انت لم تموتي، وان غبتي عنا جسدا، لكن روحك دائما معنا.

    دلال المغربي مناضلة فلسطينية من مواليد 1958، قادت مجموعة من 13 فدائيا في 11 مارس (اذار) 1978، في عملية عبر البحر المتوسط وعرفت بعد ذلك باسم عملية "كمال عدوان" وقد اطلق عليها البعض "عملية الساحل".

    افرج عن رفاتها يوم امس 16/07/2008 مع صفقة تبادل الاسرى بين كيان العدو وحزب الله.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 25, 2018 11:28 pm